الشيخ فخر الدين الطريحي

448

مجمع البحرين

قال الشيخ أبو علي : قرأ أبو جعفر وابن عامر فقدر بالتشديد ، والمعنى قسم الله سبحانه أحوال البشر فقال : أما الإنسان إذا ما أبتليه ربه أي اختبره وأمتحنه بالنعمة وأكرمه بالمال ونعمه بما وسع عليه من أنواع الإفضال فيقول ربي أكرمن أي فيفرح بذلك ويقول ربي أعطاني وهذا لكرامتي عنده ومنزلتي لديه ، يحسب أنه كريم عند الله حيث وسع عليه الدنيا وأما إذا ما ابتلاه بالفقر والفاقة فقدر عليه أي ضيق وقتر عليه رزقه وجعله على قدر البلغة فيقول ربي أهانن فيظن أن ذلك هوان من الله ويقول ربي أذلني بالفقر ، قال تعالى كلا أي ليس الأمر كما ظن ، فإني لا أغني المرء لكرامته ولا أفقره لمهانته عندي ، ولكن أوسع على من أشاء وأضيق على من أشاء بحسب ما توجبه الحكمة ويقتضيه الصلاح ابتلاء بالشكر ، وإنما الإكرام على الحقيقة يكون بالطاعة والإهانة تكون بالمعصية . ثم بين سبحانه ما يستحق به الهوان بقوله بل لا تكرمون اليتيم إلى آخر الآيات . قوله : إنا أنزلناه في ليلة القدر [ 97 / 1 ] قال الشيخ أبو علي : الهاء كناية عن القرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه لا يشتبه الحال فيه . قال ابن عباس : أنزل الله القرآن جملة واحدة في اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر ، ثم كان ينزله جبرئيل نجوما ، وكان من أوله إلى الآخر ثلاث وعشرون سنة واختلف العلماء في معنى هذا الاسم وحده ، فقيل سميت ليلة القدر لأنها الليلة التي يحكم الله فيها ويقضي بما يكون في السنة بأجمعها من كل أمر ، وهي الليلة المباركة في قوله إنا أنزلناه في ليلة مباركة لأن الله تعالى ينزل فيها الخير والبركة والمغفرة . وفي الخبر عن ابن عباس أنه قال : يقضي القضايا في ليلة النصف من شعبان ثم يسلمها إلى أربابها في ليلة القدر أي ليلة الشرف والخطر وعظم الشأن ، من قولهم رجل له قدر عند الناس : أي منزلة وشرف ، ومنه ما قدروا الله حق قدره أي ما عظموه